محمود شيت خطاب

261

الرسول القائد

وما يقال عن ذلك يقال عن سرايا القصاص التي بعثها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لمحاسبة الغادرين الآخرين . لقد كان قصاص المسلمين من يهود ومن غيرهم ضروريا عادلا . 4 - العقيدة : ظهر لنا في هذه الفترة من جهاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أثر العقيدة في توحيد الصفوف للعمل للمصلحة العامة وحدها ، وأثرها في اندفاع المسلمين كل يسابق أخاه إلى الشهادة ، وأثرها في جعل المسلم يحاسب نفسه على ما اقترفه من ذنب لا يعلم به أحد غيره من الناس . طلبت بنو قريظة من المسلمين حضور أبي لبابة بن عبد المنذر ليستشيروه ، وقد كان أبو لبابة حليفا لهم في الجاهلية وصديقا شريفا لا يشكون في إخلاصه ، فبعثه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إليهم ؛ فاستقبله الرجال والنساء والأطفال بالبكاء والعويل ، فأثر ذلك في نفسه انسانا . واستشاره يهود : أينزلون على حكم محمد ؟ . . فقال لهم : ( نعم ) . وأشار إلى حلقه كأنه ينبّههم إلى أن مصيرهم الذبح . ولكنّ أبا لبابة أدرك لفوره أنه خان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ب ( إشارته ) تلك ، وأنه خضع لشعوره العاطفي لا لعقيدته الملتزم بها فيما وقع منه ، فمضى هائما على وجهه نادما حتى وصل مسجد المدينة ، فربط نفسه إلى سارية فيه ، وحلف : لا يفكّ نفسه حتى يتوب اللّه عليه . وبقي على حاله هذا متشفعا بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم حتى تاب اللّه عليه . لم يعرف أحد ب ( إشارة ) أبي لبابة إلى حلقه حين استشاره يهود في الاستسلام ، ولم تكن إشارته هذه نتيجة تدّبر وتفكير ، ومع ذلك لم يستر أبو لبابة فعلته هذه وأعلنها للناس جميعا وعاقب نفسه بنفسه عقابا صارما ، مما يدّل على عقيدته الراسخة وإيمانه العميق .